الشريف الرضي

129

المجازات النبوية

يفعل ذلك من العرب إلا الأعز فالأعز ، والابر فالأبر ( 1 ) ، حتى ضربت العرب المثل بحمى كليب بن ربيعة ، وهو كليب وائل في أنه رجل حرام وممنوع ( 2 ) لا يرام ، فقالوا : أعز من حمى كليب ، فجعل عليه الصلاة والسلام ما حظره الله سبحانه على العباد كالحمى الذي يجب عليهم ألا يطوفوا به ولا يمروا بجوانبه ، ومن خالف الله منهم أرصد له العقاب وانتظر له النكال ( 3 ) ، فما حرم من الأشياء حمى لا يرعى ، وما أحل منها مرعى لا يحمى . وقوله عليه الصلاة والسلام : فمن أرتع حول الحمى كان قمنا أن يرتع فيه ، يريد به التحذير من الالمام بشئ من صغائر الذنوب لئلا يكون ذلك مجرئا على الوقوع في كبائرها والتهوك ( 4 ) في معاظمها . وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى . وهذا الغرض نحاه ( 5 ) عمر بن عبد العزيز بقوله : دع بينك وبين الحرام جزءا من الحلال ، فإنك إن استوفيت الحلال كله تاقت نفسك إلى الحرام ( 6 ) .

--> ( 1 ) يقال أبر فلان على القوم : غلبهم . والمعنى على ذلك الأغلب فالأغلب . ( 2 ) عطف تفسير ، أي رجل ممنوع حماه من دخول غيره فيه . ( 3 ) النكال : الفعل الذي يقع بالشخص فيحذر غيره الوقوع في مثله . ( 4 ) قال في القاموس : التهوك : التهور والوقوع في الشئ بلا مبالاة . ( 5 ) نحاه : قصده وأراده . ( 6 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تصريحية في قوله : حمى الله ، حيث شبه المحرمات التي حرمها الله بالحمى الذي يحميه الملك أو الرئيس فلا يقربه أحد ، واستعار لفظ المشبه به للمشبه .